أحمد بن محمود السيواسي
290
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ » « 1 » ، وذلك ما يحصل للسامع من زيادة التصور ليكون أسرع إلى الإنكار لجوف مشتمل على قلبين ( وَما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللَّائِي تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ ) ومعنى ظاهر من امرأته قال لها أنت علي كظهر أمي ، أي علي حرام كبطن أمي ، يعني كفرجها عبر به لقربه من الفرج وكني بالبطن عن الظهر ، لأنه قوام البنية وعمودها ، والمعنى : ما جعل اللّه نساءهم اللاتي تقولون لهن « 2 » هذا القول أمهاتكم لكنه قول منكر تجب « 3 » به عليكم كفارة ذكرت في سورة المجادلة مع سبب نزولها « 4 » ، ووجه تعدية « تُظاهِرُونَ » ب « من » تضمنه معنى البعد ، لأن الظهار كان طلاقا في الجاهلية وكانوا يتجنبون المرأة المظاهر منها كما يتجنبون المطلقة ، وقرئ « تظهرون » بتشديدين و « تظاهرون » بتشديد واحد مع الأف « 5 » ، قوله ( وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ ) نزل في شأن زيد بن حارثة حين تبناه النبي عليه السّلام « 6 » ، فعم ، وال « أدعياء » جمع دعي ، فعيل ، بمعنى مفعول وهو الذي يدعى ولد أو جمعه على أفعلاء شاذ ، لأن القياس أن يجمع عليه ما كان من فعيل بمعنى فاعل كتقي وأتقياء دون رمي ونحوه ، أي لم يجعل اللّه الدعي ابنا حقيقة في الحكم والحرمة والنسب كما لم يجعل لرجل من قلبين في جوفه ، فنسخ التبني بهذه الآية « 7 » ، لأنه كان في الجاهلية أن الرجل إذا أعجبه عقل ولد وكياسته وظرافته ضمه إلى نفسه وجعل له مثل نصيب الذكر من أولاده من ميراثه فكان ينسب إليه ( ذلِكُمْ ) أي النسب ( قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ ) هذا ابني لا حقيقة له ( وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ ) أي لا يقول إلا ما هو الحق ظاهرا وباطنا ( وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ ) [ 4 ] أي اللّه لا يهدي إلا سبيل الحق وكان زيد يدعى بابن محمد فقال اللّه ما هو الحق وهدى إلى « 8 » سبيل الحق . [ سورة الأحزاب ( 33 ) : آية 5 ] ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ( 5 ) ( ادْعُوهُمْ ) أي انسبوهم ( لِآبائِهِمْ هُوَ ) أي دعاؤهم بآبائهم ( أَقْسَطُ ) أي أعدل ( عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فَإِخْوانُكُمْ ) أي فهم إخوانكم ، يعني ادعوهم إخوانا ( فِي الدِّينِ وَمَوالِيكُمْ ) أي أولياؤكم ، يعني إذا جهل نسبه قل يا أخي يا مولاي تريد الأخوة والموالاة في الدين ( وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ ) من التسمية قبل النهي أو النسبة إلى غير أبيه ( وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ ) فيه الجناح ، أي لا إثم عليكم إذا قلتم يا بني لولد غيركم على سبيل الخطأ ولكن الإثم « 9 » إذا قلتموه متعمدين ، قيل : إن كان معروف النسب لا يثبت نسبه به وإن كان عبدا له عتق وإن كان مجهول النسب وأصغر منه سنا ثبت نسبه منه وكذا إن كان عبدا له ثبت نسبه « 10 » مع العتق ، وإن كان « 11 » أكبر سنا يعتق عند أبي حنيفة رحمه اللّه ولم يثبت النسب وعند غيره لا يعتق ولا يثبت النسب « 12 » ( وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ) [ 5 ] لعفوه عن الخطأ وعن العمد إذا تاب العامد . [ سورة الأحزاب ( 33 ) : آية 6 ] النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ إِلاَّ أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفاً كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً ( 6 ) ( النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ ) في كل شيء من أمور الدين والدنيا ، أي أرحم بهم ( مِنْ أَنْفُسِهِمْ ) فيحكم فيهم بما
--> ( 1 ) الحج ( 22 ) ، 46 . ( 2 ) تقولون لهن ، ح و : يقولون بهم ، ي . ( 3 ) تجب ، وي : يجب ، ح . ( 4 ) انظر سورة المجادلة ( 58 ) ، 1 - 3 . ( 5 ) « تظاهرون » : قرأ المدنيان والمكي والبصريان بفتح التاء المثناة وتشديد الظاء والهاء وفتحها مع حذف الألف بعد الظاء ، وقرأ الشامي بفتح التاء وتشديد الظاء وألف بعدها وفتح الهاء مخففة ، وقرأ عاصم بضم التاء وتخفيف الظاء وألف بعدها وكسر الهاء مخففة ، وقرأ الأخوان وخلف بفتح التاء والظاء والهاء مخففتين وألف بينهما . البدور الزاهرة ، 254 . ( 6 ) قد نقله المؤلف عن السمرقندي ، 3 / 37 ؛ وانظر أيضا الواحدي ، 293 . ( 7 ) أخذ المفسر هذا الرأي عن البغوي ، 4 / 431 . ( 8 ) ما هو ، + ح . ( 9 ) الإثم ، ح : - وي . ( 10 ) له ثبت نسبه ، ح : - وي . ( 11 ) كان ، ح و : - ي . ( 12 ) نقله المصنف عن الكشاف ، 5 / 34 .